كيف تلتقي الفلسفة ونظام المنتديات؟ - معهد زين العربية
موقع حلبية الموقع الاول في العالم العربي لللمعلومات الصحيحة
موقع كيف افضل موقع للرد على جميع اسئلتك موقع كيف بوابتك للمستقبل
تجارتنا منصة تجارية تساهم في تطور التجارة العالمية والاقتصاد

كيف تلتقي الفلسفة ونظام المنتديات؟

  • التقييمات: 0
pillar-capitals-1220665_960_720.jpg

whatsapp-has-a-viral-rumor-problem-with-real-cons-2-15405-1496256011-1_dblbig.jpg
241020_rgb_768.jpg


في ظل أزمة الثقة التي تعاني منها تطبيقات، مثل: واتس آب المملوكة لشركة فيسبوك صاحبة منصة الانفصال الاجتماعي الأكبر والتي بدأت رحلة انهيارها بدورها سواءً في الداخل العربي أو في أقطار الأرض من قبل أزمة واتس آب بمحاكمة مؤسسها ورئيسها التنفيذي في محاكم دياره، ثم خروقاتها المستمرة لحقوق الإنسان وممارساتها الاستبدادية ضد الآراء المعارضة لمصالح شركاءها الاستراتيجيين لا سيما من أنظمة الرقابة شبه الشمولية، يتبادر إلى أذهاننا التساؤل عن البديل الذي سيملأ فراغ غيابها بمرور الوقت و/أو بالأحرى فراغ الجماعات البشرية المتضررة —والتي لا تبدو قليلة على الإطلاق— من عدم وجود منافذ إعلامية لها ومراكز إشعاع ثقافي.

متخطيين العلاقة الأصيلة للفلسفة بكل شيء باعتبارها أم العلوم على اختلافها، ننظر اليوم عن كثب للالتقاء المباشر ووثيق الصلة للفلسفة بنظام المنتديات. ولعل القارئ الآن يسأل ماذا يا ترى قد تكون العلاقة بين دراسة معرفية كالفلسفة ورَماز برمجي كنظام المنتديات؟!


greek.jpg

يشبه نظام المنتديات بناية إغريقية أو رومية قديمة من حيث العمارة، فهو قائم على أعمدة ودعامات أساسية بخلاف الأنظمة الأخرى التي يتغير نمطها الإعلامي بتغير العقل المدبر لإنشاءاتها أو بتباين غاياتها أو ما هو أسوء بفقدان بوصلتها. فشبكات الانفصال الاجتماعي هي من إنشاءات الأنظمة الأخرى المغايرة لنظام المنتديات، وهي من حيث الدور الوظيفي منافذ إعلامية مفتوحة فاقدة للبوصلة(!) إذ لا يستطيع أحد أن يسمي على وجه الدقة والتحديد غايةً واحدةً مقيدةً لها بينما يستطيع الجميع تسمية غايات مطلقة فضفاضة ومطاطية من قبيل:
  • غايتها تعزيز التواصل بين الناس!
  • أو إتاحة منابر لهم للتعبير عن آرائهم! أ
  • واستخدامها كوسائل لممارسة الضغط السياسي -وهي حجة أشد بطلانا من كل ما سبقها-.
لنفهم ابتداءً على نحو سليم لماذا لا تعني الغايات المطلقة الكثير أو لماذا لا يمكنها إحراز تقدم في قضية ما من القضايا الحياتية المختلفة يسعنا أن نضرب مثلًا مرشحًا انتخابيًا يخبر الناخبين بأن عناصر برنامجه هي:
  • ضمان رفاهية الشعب
  • وتوفير الأمن لهم
  • وحملهم على أكف الراحة
  • والقيام بأحكام الدولة
  • وصيانة منظومتها التشريعية،
فإذا سُأل عن الطريقة التي سيفعل بها ذلك لم يزد على قوله أنه سيتأكد من أن الجميع يعمل بجد واجتهاد، وأنه سيضمن شغلَ الأكْفَاءِ فحسب للوظائف الحكومية والخدمية...ينبغي أن يكون المرء أحمقا لانتخاب رجل ببرنامج كذاك، أليس كذلك؟ إن معطيات الرجل في المثل لم تَعدُ في الحقيقة كونها غايات مطلقة وعامة يمكن تفسيرها وبلوغها كغايات نهائية بطرق مختلفة ولم يقدم أية أفكار محددة أو ملفات مدروسة أو ضمانات فعلية لأي مما عقد الوعود والعهود عليه(!)

والذي نعنيه من وراء تشبيه نظام المنتديات بالمعمار الإغريقي أو الرومي أن كل موقع منتدى يقوم على هذه الأعمدة التي سوف نسميها بعد قليل، في حين تتابين الأنماط الإعلامية بل وأشكال واجهات المستخدم وعرض البيانات في النظام الواحد من غير نظام المنتديات كنظام مواقع شبكات "التواصل" الاجتماعي.


العمود الأول: صيانة البيئة الأخلاقية للمجتمع (وجود الرقابة)


pngtree-vector-administration-icon-png-image_747092.jpg

تقوم المنتديات على وجود طاقم رقابي وإشرافي منظم عادة، مزود بمنظومة تشريعية. وهذه الملاحظة من البديهيات المغفول عنها بشأن أي منتدى. وعلى عكس مواقع الشبكة العنكبوتية ذات الأنماط الأخرى ليس ثمة منتدى تقريبا مهما كان صغيرا إلا وله طاقم رقابي واضح ومسمى وموزع. إداريو فيسبوك وتويتر ويوتيوب وغيرها على النقيض:
  • أشباح مجهولة لا اسم لها ولا صفة
  • وقد يلقون لعنة في مكان خاطئ بحظر بريء أو بحذف بيانات ومعلومات أجهدت صاحبها، عن طريق الخطأ،
  • ردودهم عبر لوحات الدعم مقتضبة وغبية تلطفها عبارات التحية وأطيب الأمنيات التي يلصقونها في بدايات وخواتيم الرسائل كرسول من بلاط ملك في العصور الوسطى يلطع ملصقا مصموغا لمرسوم ملكي على حوائط وجدران المدينة.
  • وتفتقر إلى أبسط أسس التعامل مع البشر فضلا عن خدمة العملاء
  • وتبدو ردودا آلية بحتة فضلا عن إغلاقهم التذاكر دون معالجة أو حل نهائي.
ورغم أن ذلك كله يمكن أن يُعزَى حقًا إلى ضخامة أعداد المستخدمين فإن ذلك لا ينفي غباء ذلك النظام الاجتماعي ولا يعطّل المسئولية الأخلاقية للطاقم الرقابي إذ أن ذلك سيكون مثل إعفاء الشرطة من تأمين مدينة لأن عدد سكانها ضخم جدا(!) وهذه العلة هي السبب في أننا لطالما وجدنا منتديات قد أغلقت باب العضوية مؤقتا أو لأجل غير مسمى، وصغيرًا قبل 10 أعوام إلى 15 عاما خلت لطالما كنتُ حانقا لعدم قدرتي على تسجيل عضوية في بعض تلك المنتديات، بينما صرت الآن أفهم تماما لماذا من العقلاني جدا تعليق تسجيل عضويات المنتديات عند بلوغها حدود معينة بالنسبة إلى طواقمها الرقابية. إن استقبال المزيد يعني ما هو أكثر من المبتدئين في مكان قد رسخ نظامه وقواعده لدى رواده، إنه يعني اختلال وضعف الرقابة.

تؤكد جميع منصات "التواصل" الاجتماعي على رفض خطاب الكراهية ومخالفته لمعايير "مجتمعها" وتحظر وتحذف عشرات الآلاف من الحسابات والمنشورات البريئة بتهمة ذلك خدمةً لمصالح وتوجهات شركاءها الاستراتيجيين، بينما تعج تلك المنصات بالكراهية والمحتوى غير المناسب للأطفال وأصحاب الإعاقات والمتلازمات النفسية المختلفة، ناهيك عن كونها من الأسباب المباشرة للإقدام على الانتحار وإيذاء النفس بسبب التنمر الذي لا يجد له رادعا لا سيما عند الأفراد الأقل حصانةً نفسيًا وعقديًا كالسابق ذكرهم على سبيل المثال لا الحصر. على النقيض، من السهل جدا حصر وكشف الإهانات والسباب وشتى المخالفات الأخلاقية في المنتديات، وعادة ما تلقى جزاءً فوريًا إلا في حالات نادرة كأن يكون القائمين على منتدى ما هم حفنة من الأحداث.

إن تلقي عقلية (مستخدمي المنتديات) الجمعية نفسها للإهانات باعتبارها شيء عظيم وفاحش يعكس بشيء من الوضوح السلامة الأخلاقية النسبية لمجتمعات المنتديات، بينما يقوم المستخدم النهم لمنصات "التواصل" الاجتماعي بعملية تطبيع غير واعية مع الإهانة والفحش، وهذا لا يعني بالضرورة أنه يصبح هو بنفسه مصدرا للفساد الأخلاقي بقدر ما يعني أنه يبدأ بالتعامل معها باعتبارها شيء عادي لا يدعو للانزعاج! -ولا يدرك في الحقيقة أنه يبدأ رحلة اختلال منطقي فنفسي بهذه الطريقة- فعندما يتعرض هو نفسه للإهانة ولعلمه بأن ما تسميه الأطقم الإدارية لهذه المنصات "بالإهانة الخفيفة" لن يلقى جزاءً من أي نوع يبدأ في امتصاص هذا المفهوم المختل للعدالة والأخلاق ليعد حظره لمهينه جزاءً وفاقا -وهي مخالفة منطقية لأن مهينه لن يتوقف عن إهانة آخرين ما لم يلق رادعا- فيكون الشطر الأول من العملية هو تخدير كرامته بمخدر الحجب والحظر قصير المفعول، بينما الشطر الثاني منها وهو الأعظم هو توقفه تدريجيا عن التعاطف مع المظلومين فعندما يرى مستخدما آخر يتعرض للإهانة فقد يتعدى تجاهله الأمر بمرور الوقت إلى إلقاءه اللوم على المهان نفسه مناجيا نفسه: "ولماذا دخل أصلا هذه المجموعة أو لماذا علق على منشور هذه الصفحة أو لماذا أصلا كان في قائمة أصدقاء شخص كهذا أو لماذا كتب تعليقا على هذا المنشور أو هذه المرئية منذ البداية؟" فلم يعد يتجاهل فحسب بل بدأ أيضا في طرح الأسئلة الخاطئة.


العمود الثاني: دعم النمط والشكل لجودة الرقابة (فاعلية الرقابة)


Oct19_29_911787850.jpg

بخلاف قوائم التشغيل Playlists في يوتيوب، تأخذ صفحات ومجموعات فيسبوك وحسابات تويتر شكل بئر لا قرار لها، إنك تنزل بمؤشر العصفور/"الفأرة" إلى ما لا نهاية بين مجموعة من المنشورات غير المترابطة ولا المجمّعة، ومؤخرا فقط أصبحت أدوات، مثل: منع التعليقات على منشور معين أو حذف منشور لمستخدم آخر، متاحةً لمدير أو مشرف مجموعة، بينما لا زال لا يمكن للإداري تعديل تعليقِ مستخدم.

على النقيض نجد أن نظام المنتديات يأخذ شكلا شجريا منظما، ويتوفر في نمطه أداة بحث فعالة عن المواضيع والمشاركات المختلفة. في خدمتها لجودة الرقابة نجد أن الإداري قادر على إغلاق موضوع مثير للجدل ومحرض على الفتنة، ولإغلاق موضوع في منتدى أثر نفسي أكبر على المستخدم من مجرد كونه منعا للتعليقات عليه كما هو الحال في منشور في مجموعة فيسبوك رغم أن الوظيفة واحدة! الأجمل من ذلك أن إداري المنتدى يمكنه تعديل نص مشاركة المخالف لحذف ما يؤذي القراء وتوضيح حذف النص الأصلي بتسجيل المخالفة في نص المشاركة نفسها، بينما تظل تعليقات منصات "التواصل" الاجتماعي في أقسام التعليقات شواهد جارحة على "الجريمة".

في المنتديات يُدعى الفرد "عضوا" بينما في منصات "التواصل" يُدعى "مستخدمًا" و"حسابًا" و"مِلفًا"، وهذا وحده كفيل بشرح الفرق بين كلا النوعين من المجتمعات. تخبر المنتديات أفرادها بأنهم أجزاءٌ منها وعناصر فاعلة فيها، بينما تؤكد منصات "التواصل" على طبيعة قوالبها التجارية كشركات تقدم للفردِ (خدمةً) عندما يقوم (باستخدامها) يصبح (مستخدمًا) كما تستعمل المصطلحات نفسها في بياناتها القانونية لتوضيح العلاقة القانونية بين الفرد "المستخدم" والمؤسسة "الخدمة أو مقدمها".

يعد نظام الإنذارات والمخالفات -ونظام السمعة الذي بدأت الرَمازات المعاصرة لنظام المنتديات بالتخلي عنه مع الأسف- المتوفر في المنتديات، أيضا، أداة واقعية لتحقيق العدالة وصيانة القيم النفسية الأساسية للأفراد. وهو الأمر الذي بينَّا غيابه عن منصات "التواصل" في العمود الأول. عادة ما يقوم نظام الرقابة في المنتديات على أن مراجعة جميع الموضوعات والمشاركات عبر القراءة عملٌ أساسي من أعمال المراقب، بينما تستدعي كل المواقع القائمة على أنماط أخرى تقريبا أن يقوم متطوع أو متضرر بالتبليغ عن وجود إساءة أو إهانة.


العمود الثالث: الموضوعية

192159-6-XL-EO-BLOG-MO.jpg

ثمة غاية وترتيب للنشر، بل ثمة وضوح لهما، يعلم المرء تماما في منتديات، مثل: معهد زين، أن مكان موضوع كهذا هو قسم (مواضيع XenArabia العامة)، وفي منتدى آخر يعلم المرء تماما أن ما يمكن نشره في القسم الديني ليس كما يمكن نشره في القسم الترفيهي، وذاك هو الترتيب، فالكاتب لا يُلقِي منشوره في بئر يُلقَى فيها كل وأي شيء لا علاقة بينه وبين بعضه. وأما الغاية فهي إثراء عام وخاص. الإثراء العام هو زيادة مجموع المعرفة أو المحتوى، فإذا كان هنالك منتدى للأدب وقرّاءه مثلًا فإن أعضاءه سيُبدون اهتماما بالتعريف بأعمال أدبية قديمة وحديثة على السواء باستمرار وسيكون كثير منهم مهتما بالتأكيد بكتابة المراجعات لتلك الأعمال أو بدء المناقشات النقدية بشأنها، وبهذا فإن هذا المنتدى يحقق غاية واضحة من الإثراء العام لأعضاءه بزيادة مجموع المعرفة التي لديهم في اختصاص الأدب وزيادة المحتوى -أي عدد كتب PDF مثلًا في قسم مكتبة المنتدى- الذي هو بمثابة المادة الخام لنشاطهم.

أما الإثراء الخاص فهو عملية أشد تعقيدا ذلك أنها تتطلب ترابطا أوثق بين أعضاء المنتدى الواحد ليتعدوا مرحلة الإثراء العام إلى الإثراء الخاص، أي: الممنهج، وذلك بمراقبة مجالات اهتمامتهم وأوجه النقص لديهم بالطرق البدائية أو الإحصائية، فإذا وُجِدَ أن شريحة كبيرة في المنتدى المضروب مثلًا تهتم بالأدب الروسي أكثر من غيره فإن هذا يعطي للكاتب والناشر احتمالات لامتناهية عن أفكار المواضيع التي يمكنه الكتابة فيها سواء في عمق الأدب الروسي أو في هالته وإطاره مفسرا هذه الظاهرة من اهتمام هذه الشريحة الكبيرة من الأعضاء بهذا الأدب على وجه التحديد أو ناقدا لها ومحرضًا على غيرها عبر مقارنة الأدب الروسي بالألماني مثلا. وأما دور الإثراء الخاص في معالجة أوجه النقص فيكون بتفقد المشاكل المختلفة التي يواجهها أعضاء المنتدى في حياتهم الشخصية فإن وجد أن عضوا ما يميل في مشاركاته دائما إلى الانفعال والحدة في النقاش وبدا أنه يواجه مشكلة في معالجة مشاعره فإن أفضل موضوع يمكن له أن يكتب فيه -بعد حين من موقف أو حادثة ما وبدون ربط أو إشارة- هو كيفية التعامل مع مشاعر الغضب مثلًا. عملية الإثراء الخاص هي عملية ارتقاء جماعي ولا تنفي أفلاطونيتها الظاهرية إمكانية حدوثها وتطبيقها.

مقارنة بمنصات "التواصل" سنجد دائما أن لدى المنتديات -إن هي كانت تسير في المسار العرفي السليم لها- شيئا تقدمه لأعضاءها يجعل حياتهم أفضل على نحو ما وعلى درجة ما، حتى منتدى لمحبي الرسوم المتحركة اليابانية مثلًا إذا كان محكومًا على نحو جيد سيجعل حياة أعضاءه أفضل بتحسينه لصحتهم النفسية
-وإن كنت من تحسينه لصحتهم العقلية في شك مبين 🤔، بقاء وإبقاء صناعة الترفيه خفيفةً في مجتمع ما على أية حال هو دائما أمر جيد 🙂-. ماذا تكتب، أين تكتبه، ومدى موافقته للبيئة الاجتماعية المحيطة "الأعضاء" أو اهتمامهم به -لا سيما إذا كانوا قد قضوا ما يكفي من الوقت معًا ليصبحوا عائلة يعرف بعضها فيم يفكر بعضها الآخر وماذا يحب، وماذا ينقصه- هي أسئلة لها إجابات سلفا على درجة من الوضوح عندما نتحدث عن المنتديات، بينما هي أسئلة ضبابية جدا في منصات "التواصل" وغيرها من المواقع.

العمود الرابع: قيمة الطرح والنقض

all-fresh-fruits-500x500.jpg

أنا على ثقة من أن أحدا ممن يقرأ هذا الآن قد سبق ورأى لمرة واحدة على الأقل في وجوده الرقمي إن لم يكن عشرات ومئات المرات قاعدة "يمنع تكرار المواضيع ويجب البحث للتأكد من عدم تكرار الموضوع". القاعدة التي إن وُجِدَت في منصات "التواصل" لم يكن هنالك أية طريقة لتطبيقها. وجود هذه القاعدة في منتدى ما يعني وجود هذا العمود وإن كان فيه شرخ(!) فالتطبيق الحرفي لها سيضمن أن المكان لن يغرق بالبيانات والمعلومات نفسها على الأقل، والشرخ الذي نتحدث عنه هو أن وجود هذه القاعدة في المقام الأول وفي بداية هذه الألفية كان يتعدى غاية التطبيق الحرفي لها إلى التطبيق الذرائعي أو ذي الفائدة، وهو تقليد أساس البحث العلمي في الطرح والنقض، وتبنيه.

ففضلا عن أنك قد ترى المزحة أو الاقتباس أو الحكمة نفسها عشرات المرات على صفحتك الرئيسية في منصات "التواصل"، فإنها أيضا تقدم طعما رخيصا عندما تقنع مستخدميها على نحو غير مباشر بأنه يمكنهم ممارسة عملية الإثراء المعرفي نفسها هنا، فنجد صفحات علمية لا تقدم في أكثر الأحيان أكثر من مقتطفات غثة يظن بعض الجهّال بعدها أنهم يزدادون ثقافة ومعرفة، وإذا كانت صادقة قليلا مع متابعيها فستحافظ على نشر روابط لمقالات كاملة في مواقعها الخاصة خارج هذه المنصة -أي لا يعدو الأمر كونه أكثر من عملية دعاية- وإذا أراد أحد المستخدمين أن يختان نفسه فسيكتب موضوعا سرديا كهذا في منشور ينتهي برابط "تابع القراءة..." المولّد تلقائيا والذي قلما يضغط عليه أحد إلا عندما يكون مهتما حقا، وبفرض أنه مهتم وأنه سيظل مهتما فسيكف بصره على الأرجح مبكرا لقراءته المركزة بحجم خط وتنسيق كالتنسيق الرائع الذي تقدمه تلك المنصات.

ومرة أخرى نجد أنها لم تكتسب اسمها "كمنصات" (Platforms) من العدم، فالمنصة هي سطح مرتفع يمكن للأشياء أو الأشخاص أن يقفوا عليه، كما لو كانت منصات "التواصل" تخبرنا بطريقة غير مباشرة أنها مسارح مفتوحة -لا يعرض عليها سوى المسرحيات الهزلية 🎬 في العالم العربي على الأقل...-

إن أساس البحث العلمي هو انتفاء التكرار لأن التكرار لا يعني إثراء المعرفة البشرية الجمعية ما يعني أن عملية البحث تسير في اتجاه خاطئ. فمهمة البحث العلمي هي أن يجد الباحث مواضيع لم يُتطرق لها من قبل، أسئلة لا إجابات لها بعد وهذا يتضمن الزوايا والأبعاد المختلفة لقضية واحدة، مشاكل حقيقية أو إشكاليات افتراضية لم تُحل بعد حتى يكون جهده مثمرا ومثريا للخبرة المعرفية البشرية، فتلك هي الطريقة التي قامت بها الحضارات وتتقدم بها الأمم وهي السبب وراء كل المخترعات والتقنيات التي من حولنا، وغياب هذا الأساس كقاعدة ننطلق منها في حياتنا كلها وليس في البحث العلمي فحسب هي مشكلة حقيقية تعني أن نبقى كالماء الراكد. فالرجل الذي يختبر موقفا مؤلما أو غبيا أو محرجا أو خاطئا فحسب في ماضيه لا يحتاج بالضرورة أن يقرأ المؤلفات حتى لا يقع في نفس الموقف، وإنما عملية تعلمه من ماضيه، من ذلك الماضي، هي نفسها أساس البحث العلمي.

وبالتالي تنشئ مسئولية أخلاقية على عاتق المنتديات "الجادة" هي تعليم الناس لماذا وكيف وأي شيء ينشرون، وإيقافهم عن نشر الهراء وتعزيز التفاهة. وأستطيع الآن أن أذكر أسماءً بعينها لمنتديات عربية شهيرة اختفت الآن عن وجه الشبكة كانت تقوم بهذا الدور على نحو جاد حتى ابتلعها الغول الأزرق أو الغراب الناعق أو أنبوب الرشح وغيرها بكل أسف؛ في موضوع آخر -إن شاء الله- نتناول بشيء من التفصيل أسباب هذا الابتلاع (لماذا وكيف حدث)، ونقدم حلولا واقعية لتصحيح الوضع وإعادة الأمور إلى نصابها.


كتبه عمر خان (باحث في العلوم والآداب الغرمانية ولغوي وترجمان ومؤد صوتي)، ونُشر أولا يوم الخميس، الحادي عشر من محرم لثلاث وأربعين بعد أربعمائة وألف خلت للهجرة في معهد زين العربية.
 

جميع المواضيع والمشاركات المكتوبة تعبّر عن وجهة نظر صاحبها ,, ولا تعبّر بأي شكل من الاشكال عن وجهة نظر إدارة زين العربية .

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي معهد زين العربية ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك :: يتحمل كاتبها مسؤولية النشر ::

الأعضاء المتصلون

لا يوجد أعضاء متصلون الآن.

إحصائيات المنتدى

المواضيع
1,707
المشاركات
18,626
الأعضاء
682
آخر عضو مسجل
hima
أعلى